قواعد بناء السمعة الرقمية للقادة الأكثر تأثيراً*

تزايدت أهمية المنصات الرقمية وموثوقيتها اليوم بشكل ملحوظ، وباتت لصناعة السمعة فيها قواعد جديدة.

فوفق “مؤشر إدلمان العالمي للثقة” تتبوأ محركات البحث المرتبة الأولى لمصادر المعلومات الأكثر موثوقية. وعلى نفس النسق، باتت الكثير من الحكومات والشركات تعتمد منصات وسائل التواصل الاجتماعي كوسيلة معتمدة لتقييم خلفية المرشّح لوظيفة أو جائزة أو حتى استضافة مهنية في مؤتمر. فمثلاً تشير دراسة لموقع Career Builder ، بأن أكثر من 70% من الشركات تبحث عن حسابات التواصل الاجتماعي لمرشحيها قبل الشروع في عملية التوظيف.

ومن هنا تتبادر عدد من التساؤلات، منها: كيف يمكنني ضمان وجود محتوى إيجابي أو على الأقل لا يسيئ لي في الفضاء الرقمي؟

هذا التساؤل وغيره هو مبحث ما يسمى في أدبيات الاتصال بـ”السمعة الرقمية” وهي على تنطبق على الصعيد الشخصي والمؤسسي على حد سواء. ولكننا سنتناول تأثيرها علينا فقط كأفراد. وعليه، فالسمعة الرقمية تمثّل كل ما تقوله عن ذاتك، أو ما يقوله الناس عنك في الفضاء الإلكتروني. وبطبيعة الحال فإن ذلك يشمل الفعاليات التي حضرتها، والأخبار التي تنقل تصريحاتك، وربما صور العائلة التي نشرتها يوماً ما في الفيسبوك، وتعليقاتك الغاضبة على خدمة فندقية في دولة ما، والشائعات التي حبكها أحد المتربصين لك، وتفاعلك مع الناس في موقعك الشخصي او الإنستجرام مثلاً، ولا تستغرب أن الحسابات التي تُتابعها لها نصيب كذلك من تشكيل سمعتك الرقمية..وغير ذلك الكثير مما تعرف أو لا تعرف!

 وسبب الاهتمام المتزايد بالمحتوى الإلكتروني عن سواه بالنسبة لقادة الأعمال والمشاهير تحديداً، هو أنها أحد مكونات العلامة الشخصية في عصرنا الحديث (Personal Branding). وتتزايد أهمية السمعة الرقمية مقارنة بغيرها لأسباب عدة أخرى منها، أنها مستقاة من أرشيف دائم ومكشوف لكل من أراد التقصي عن أي إنسان بضغطة زر، دون أدنى احترام للخصوصية، مثل تجربة مشاركة ذكرياتك الطريفة أو صورك الخاصة مع المقربين لك، لتجد بعض الغرباء يواجهونك بها بعد حين في سياق لم تكن تتخيّله. كما تكمن خطورة السمعة الرقمية بكونها واقعاً مفروضاً، أي يكاد يستحيل لأي شخص أن يمتنع عن الظهور في الفضاء الإلكتروني أو يضمن نوع المحتوى الذي يتحدّث عنه. لذلك تأتي مسألة المبادرة برواية قصتك للناس مسألة في غاية الأهمية، قبل أن يبادر غيرك بالحديث عنك أمام العالم بطريقته التي قد لا تلاءمك، أو حتى تضرك.

دعونا نأخذ تجربة بسيطة وهي البحث عن شخصيات عامة في محرك قوقل لنرى ما هي أقرب النتائج ظهوراً، فهل هي نتائج إيجابية أم سلبية؟ هل هو محتوى من الغير أم من الشخص المعني؟ ولا بد هنا من الإشارة إلى أن 95% من الناس لا تتجاوز الصفحة الأولى من صفحات محرك البحث عادة.

ولتطبيقات السمعة الرقمية أمثلة عديدة منها الإيجابي أو السلبي، منها مثلاً، تغريدات الرئيس التنفيذي لشركة تسلا إيلون ماسك حول توجهات الشركة الاستثمارية، والتي كلّفته 20 مليون دولار أمريكي كتسوية قاسية لمخالفته لوائح الإفصاح للشركات العامة المدرجة في السوق المالي. كما ترتّب على ذلك تنحيته من منصبه كرئيس مجلس الإدارة في عام 2018، وإلزامه باعتماد تغريداته مستقبلاً من محامي الشركة قبل النشر. وتعتبر هذه القضية مثالاً حياً على أهمية التواجد المدروس في الفضاء الرقمي لما له من أثر مباشر على السمعة الرقمية الشخصية والمؤسسية على حد سواء.

أما على صعيد الأمثلة الإيجابية لتطبيقات السمعة الرقمية، فمن الأمكن الاستشهاد بظهور موجة المؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي وتحديداً قادة الأعمال منهم ممن كرّس منصاته لتوعية وتحفيز وإلهام المتابعين وتعزيز صورته كرائد فكري في مجاله. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، رائد الأعمال البريطاني ريتشارد برانسون مؤسس مجموعة شركات فيرجن، الذي يعتبر اليوم الشخصية الأكثر متابعة واهتماماً من مستخدمي منصة “لينكد إن” بأكثر من 17 مليون متابعاً. وعلى منصة الفيسبوك فينشط مؤسسها طبعاً مارك زوكيربيرج بالتواصل مع أكثر من116   مليون متابع. وعربياً، يحظى الوليد بن طلال بمشاركة أكثر من 11 مليون متابع على منصة تويتر.

ويبقى السؤال الآن: كيف يمكن بناء سمعة رقمية قوية وإيجابية؟

بشكل عملي، فإن عملية بناء “السمعة الرقمية” تشتمل على عدة جوانب، أولها رصد ما يتم تناوله في الأوساط التي تهمنا، كالمواقع الإخبارية أو نتائج البحث وغيرها، ومن ثم العمل على تنظيف الأرشيف الرقمي المثير للجدل في المنصات الشخصية أو الرسمية التي نملك التحكم في محتواها، ومن الممكن الاستعانة بشركات متخصصة في ذلك لخدمة المشاهير والساسة وغيرها. ويلي ذلك تفنيد الشائعات والأخبار المفبركة إما بالتواصل المباشر مع مصادر الأخبار كالمؤسسات الإعلامية ومطالبتها بإزالتها، أو من خلال منصات التواصل الاجتماعي بعد إثبات مخالفة المنشور المفبرك لسياسات الخصوصية والنشر المطبّقة. وأخيراً يمكن الاستعانة بالقضاء لإجبار الغير على إزالة المحتوى بعد إثبات الضرر.

وثانياً، تأتي عملية صناعة المحتوى المتخصص، ويليه التفاعل النشط مع الموضوعات والأشخاص ذوي الاهتمام المشترك، إلى جانب صناعة محتوى إيجابي ذو قيمة للجمهور، مع مراعاة استخدام عبارات مفتاحية مدروسة بشكل متكرر، لضمان ظهورها بشكل متوافق مع نتائج البحث أو ما يعرف بـ “SEO”. ولابد الإشارة إلى أن هنالك مواقع تحظى بنتائج ظهور عليا في منصات البحث مما يستدعي الالتفات لها مثل المدونات الشخصية والمواقع الرسمية والمواقع الإخبارية، والقاعدة الأهم هنا هو عدم مشاركة ما لا تود نشره أساساً.

وثالثاً كإجراءات احترازية، فمن الأولى تفعيل إعدادات الخصوصية التي تطرحها مختلف المنصات بحيث تتيح إلغاء التتبع الجغرافي ومنع ربط الصور المنشورة من الغير على حسابك الشخصي. كما تتاح اليوم أدوات أخرى لضبط المحتوى مثل حذف التعليقات السلبية، وإخفاء التغريدات المسيئة وغيرها.

###

*تم نشر المقال الأصلي في مجلة فوربس الشرق الأوسط.